|
|
| هندسة التغيير الملكية: قراءات ودلالات وتطلعات |
صافح ملك الإنسانية "ملك التغيير" شعبه المحب له بـ19 أمراً ملكياً لامس السلطات الثلاث وقطاعات محورية في الهيكل العام للجهاز الحكومي وبالأخص في منظومات القضاء والتعليم والصحة والإرشاد وقد جاءت هذه التغيرات استجابة لمتطلبات المصالح العليا للبلاد والعباد وانسجاماً مع مسيرة التدرج النوعي للتحديث والتغيير والإصلاح والتي تعهدها ملك القلوب منذ أن كان ولياً للعهد، بل أنه ووفقاً لرأي بعض المطلعين فإن هذه التغيرات جاء معظمها في مجالات يتم تصنيف المملكة فيها في مراكز متدنية وفقاً للتقارير الدولية. إن المنافسة في المشهد الإنساني العالمي والتحديات الكبيرة التي تواجهها المملكة بحكم ثقلها الثقافي والحيوي والتعليمي والاقتصادي تتطلب حراكاً إدارياً وتنظيمياً على كل الأصعدة بحيث يرتقي ذلك إلى مستوى حركة القيادة السياسية وتطلعاتها وإلى مستويات التفوق المقارن عالمياً. وبتقديري والسواد الأعظم من المواطنين الغيورين على هذا البلد فإن العديد من الوزارات والقطاعات الخدمية في بلدنا المعطاء تعاني من إختلالات مختلفة في أدائها وإنجازاتها قياساً بما توافر لها من إمكانات مالية وبشرية الأمر الذي يعكس ركوداً إدارياً لدينا بعيداً عن طموحات القيادة السياسية وتطلعات المواطنين. لذا فإن من أبرز دلالات هذا التغيير هو تكوين آلية نقد ذاتي ورقابة تقويمية من خلال إدانة ملكية للجمود الإداري السائد في الكثير من منظمات الدولة والتغلب على أسلوب التبلد لدى بعض مسؤولي تنفيذ إدارة هموم المواطنين حيث أن الثقافة الإدارية السائدة بقوانينها ومؤسساتها وكادرها غير مستعدة للمتغيرات في جوانب الحياة المختلفة، لذا كان لازماً من إحداث الصدمة والإحلال بكفاءات تؤمن بالتغير وإدارة المعرفة ولا توقف الزمن كما فعل أسلافهم، كما أن هذا التغير يعكس صفة الطموح لمعالي الأمور والهمم العالية من خلال تجسيد مقولة الأمام علي رضي الله عنه : (رب همة أحية أمه)، فالطموح والهمة هما مفتاح القمة كما أن التغيير هو بوابة الإصلاح والتطوير. كما أن هذا التغير يؤسس لثقافة جديدة تحت مسمى "الديمقراطية الإدارية" وبالتالي يفتح الحوار نحو تبني ثقافة التغيير المستمر أو ثقافة "تحديد المدة" للمواقع القيادية سواء في الصفوف الأولى أو الثانية حيث أن ذلك ينعكس إيجاباً نحو تغيير الدماء والأفكار والرؤى، فهما كانت قدرات وخبرات المسؤول فتظل في النهاية محدودة ومقيدة وتتقادم بفعل ظروف عديدة، ناهيك على أن الركود الإداري والبقاء القيادي للوجوه الثابتة لفترات طويلة يؤدي إلى الجمود التطويري وخلق فئات منتفعة بلا مسائلة أو محاسبة ويحرم الأجيال الجديدة حقها القيادي المشروع في فرص المساهمة في خدمة هذا البلد نظراً لاختلاف فنون التدبير ومعطيات الحياة بين جيل وجيل كما ألمح بذلك الأمام علي رضي الله عنه، خصوصاً مع غياب معاهد صناعة القادة ومعايير المناصبية الموضوعية من ناحية وتأثير القرباتية (الشخصية، الشللية والمكانية والقبائلية والمناطقية) للقفز المناصبي إلى قمة هرم المنظمات من ناحية أخرى. لقد دشن الملك عبدالله باباً للأمل وحطم "تابو" اعتقال المناصب بهذا التغيير النوعي والذي يعد خطوة إستراتيجية ذكية نتمنى اكتمالها بقرار تنظيمي ينص على أن تكون مدة المعين أو المنتخب فترتين فقط كل منهما 4 سنوات بحيث يكون سقف المدة للمناصب القيادية للأجهزة الخدمية لا يتجاوز بأية حال 8 سنوات حتى ولو أخترع المسؤول القنبلة الكونية، والشواهد المحلية والتجاوب الدولية والمنطق الإنساني يفرض هذا التواؤم مع التحولات والأحوال حتى لا تغرق منظماتنا في الأوحال. كذلك لا يخفى على المراقب والمطلع أن هذا التغيير قد أعطى بعداً لأهمية الإدارة التفاعلية لمتولي المناصب القيادية في سبيل السعي بهم والارتقاء بهم إلى درجة القائد وبالتالي تحسس اهتمامات واحتياجات المواطنين والسعي نحو إرضائهم، وعليه فإن الإدارة في "خدمة المجتمع والمواطن" التي أرسى بذورها الملك عبدالله تمثل نقلة نوعية في أركان العمل الإداري المؤسسي وأهمية انعكاس نتائجها على أرض الواقع، وهذا بالتأكيد يعني ذلك بمجمله تفعيلاً لثقافة الإدارة بالأداء والتقييم المؤسسي من منطلق التركيز على أهداف المنظمة ورفع إنتاجيتها وخدمة المستفيد أولاً وأخيراً من ناحية الكم والكيف والتوقيت. ولعل أهم رسالة يمكن قراءتها من هذا التغيير وإن كنا لا نريد أن نستعجل في قراءتها هي أن هذا التوجه ينم عن رؤية تجديدية وإصلاحية للقادم أي أن ذلك التوجه يصنع ثقافة التهيئة للمهام التي يفرضها المستقبل، فنتوقع بإذن الله أن يصدر تباعاً وبتدرج أوامر ملكية أخرى لمعالجة قطاعات محورية أخرى هامة في الهيكل العام للجهاز الإداري الحكومي بحيث تطال شؤون الخدمة المدنية والأنظمة المالية والشؤون الاجتماعية والتدريبية والعمل وبالأخص منظومة الإدارة المحلية. وأقولها بكل مسؤولية وشفافية وموضوعية، بأن تطبيقات اللامركز الإدارية ببعديها الجغرافي (إدارة محلية، حكم محلي) هي مفتاح الإصلاح الإداري ومجال قياس التفوق المقارن، في مختلف وظائف وخدمات الدولة. فالوضع المركزي السائد في التنظيم الإداري بالمملكة هو بحاجة ماسة إلى إعادة النظر وفرض التغيير ضمن رؤية شجاعة وشمولية تشمل النواحي التنظيمية والإدارية والمالية فهل نتوقع أن نتفوق على دول أخرى وننافسها ومناطقنا ومدننا ما تزال تنتظر كرم وعطف المسؤول المركزي بل ورضاه لكي يوقع عقد إنشاء مستشفى أو بناء مدرسة أو كلية أو حتى سفلتة شارع أو قبول طالب أو تحويل مريض أو عقد مؤتمر، فعلاً الأمر محير ويحتاج إلى إعادة نظر وخصوصاً وأن القيادة السياسية تحث في كل مناسبة على سرعة الإنجاز وعدم تعطيل مصالح الناس والتي غرقت في دهاليز البيروقراطية والتي تنؤ تحت هوس المركزية وتابو الوصاية القرونية كأننا نعيش في القرون الوسطى وليس في عصر إدارة المعرفة وما بعد عصر الذرّة. والسؤال يطرح نفسه في ضوء دلالات التغيرات الملكية ما هو المطلوب، وما هو برنامج العمل المستقبلي أو "الانتفاضة الإدارية" لتفعيل مقولة "السبب قد ذهب" حتى يتم إحداث نقلة نوعية في الأداء الحكومي العام وبما يتفق مع رؤية ولي الأمر الإستراتيجية نحو التغير النوعي الشامل وصولاً إلى الإصلاح الإداري المسؤول المستجيب. الملك عبدالله "ملك التغيير" يريد عقولا مجددة وأنظمة مرنة ومبادرات مبدعة تزيد من عز هذا الوطن عزاً وتبني قمة نجاح فوق قمة، وهذا لن يأتي إلا من خلال تضافر الجهود الرسمية والشعبية المؤسساتية والفردية في إحداث التغيير الواعي المسؤول الذي يقدم قيمة مضافة في كافة شرايين التنمية، فمسؤولية الأفراد لا تقل عن مسؤولية الدولة في اقتراح وصياغة عملية استمرارية التغيير نحو الأفضل. إن المغزى والخلاصة من دروس التغيير التي دشنها ملك التغيير تعني أن هناك الكثير الذي ما زال مطلوباً لتغيره، كما أن واقع الحال التنظيمي والإداري يتطلب قيادات ومبادرات أقل اتساماً بالبيروقراطية وأكثر إحساساً بالمسؤولية والشفافية والاستجابية واستمراراً لتلك الرسالة التي حملها قائد الأمة بشكل يستحق الإعجاب علينا أن نساهم في بناء أفكار ومفاهيم جيدة لتأكيد أن المستقبل أكثر إشراقاً بإذن الله وبناءاً على ذلك هناك بعض الأفكار والمبادرات سواء على المستوى المحلي أو الكلي والتي نرى أخذها بعين الاعتبار ضمن سياقات التغيير حتى نضمن التوصل إلى إدارة أفضل ونواتج أشمل، ولعل أبرز الخطوط العريضة للمرحلة التغيرية القادمة بإذن الله تعالى يتمثل في: -تبني اللامركزية الإدارية بأوسع صورها في تخطيط وإدارة وتمويل المناطق والمدن والمحافظات في المملكة، ويستلزم ذلك تمكين مجالس المناطق لكي تكون بمثابة مجالس وزراء مصغرة وذات قوة تنظيمية وإدارية ومالية مؤثرة، على أن يخصص لها ميزانيات خاصة بها لدعم الخدمات الأساسية من تعليم وتدريب وصحة وتوظيف وبناء للبنية التحتية وذلك وفقاً للحجم السكاني ومتطلبات التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية وأقترح بأن يكون هناك ترقية لمجلس المناطق وعلى أن يكون هناك اجتماعات دورية بين مجلس الوزراء وبين مجلس المناطق (أمراء المناطق) لكي يتم بناء شراكة جديدة بين البعدين الوظيفي والجغرافي بما يساهم في إدارة تلك المناطق وفقاً للأولويات والاحتياجات نظراً لأن السائد هو ارتباط الفروع الإدارية بالمركز أكثر من ارتباطها بالقضايا التنموية المهمة للمناطق المحلية. -التعجيل بإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد من أجل تفعيل الإستراتيجية الوطنية الخاصة بذلك. -الإسراع في إشهار الهيئة العامة للجمعيات والمؤسسات الأهلية لكي تفعل النظام المقترح بهذا الخصوص والذي يجب أن يفرج عنه من أدراج البيروقراطية. -الإسراع بإنشاء وتشكيل المجلس الأعلى للمرأة والطفولة لكي يرسم ويوجه السياسات الاقتصادية والاجتماعية الخاصة بدعم قضايا المرأة والطفولة والتي تتفاقم كماً ونوعاً وفي مختلف المجالات الحياتية على أن يكون غالبية تشكيل المجلس من النساء فهم أدرى بشؤونهم من مسئولي الدولة من أقرانهم الرجال مهما حرصوا وأخلصوا الأمانة، ولعل تعيين نائبة للوزير ولأول مره يمثل بادرة خير لإعطاء المرأة المزيد من التمكين على المستوى الوطني والذي نأمله أن يكون ذلك نواة لإنشاء حقيبة وزارية في مجلس الوزراء خاصة بشؤون المرأة أو استحداث منصب وزارة دولة لشؤون المرأة يتولاها امرأة كوزيرة دولة لشؤون المرأة، بحيث يكون لتلك الوزارة فروع في المناطق مع صلاحيات كبيرة وإمكانات مادية من أجل وضع الأسس لمقومات النهوض بالمرأة وأنها من أولويات الحكومة. -إنشاء مجلس مرادف لمجلس الشورى أسوة بالكثير من الدول المتقدمة الأخرى والتي تتبنى ثنائية المجلس التشريعي "التنظيمي" تحت مسمى مجلس "الشيوخ" أو "الحكماء" بحيث لا يتجاوز عدد أعضائه 100 عضو ويكون متخصصاً في تقديم المشورة والنصح للقيادة السياسية فيما يتعلق بالمسح القيادي ووضع الآليات للتعيينات في المناصب القيادية للأجهزة الخدمية وتبني مؤشرات التقييم للتجديد والتدوير والإعفاء، إضافة إلى مسؤوليات إستراتيجية أخرى تتعلق بصناعة القيادات وإتاحة الفرصة لمن لديه عطاء قيادي نوعي بالتقدم على المستويات المركزية والمحلية، التنظيمية والتنفيذية والدبلوماسية وخلافه. -النظر في إعادة هيكلة بعض الوزارات إما بالإلغاء أو التقليص أو الدمج من أجل بناء ما يسمى "بالحكومة الذكية" لكي تكون أقل تداخلية وأكثر شفافية واستجابة لبناء جسور التواصل والثقة مع المواطن خصوصاً مع التوجه نحو الخصخصة والشراكة مع القطاع الخاص، ولعل من الأمثلة المقترحة في ذلك قيام الجهات المعنية بدراسة وظيفية وتنظيمية وإستراتيجية للنظر في إلغاء وزارة الاقتصاد والتخطيط نظراً لأن الخطط وخصوصاً الإستراتيجية لا بد وأن توحد رأسيا وتعطى ثقلاً سياسياً بحيث تحال مهام الوزارة إلى المجلس الاقتصادي الأعلى مع تعديل مسماه، وفصل الصناعة من وزارة التجارة والصناعة، ودمج وزارة الخدمة المدنية مع وزارة العمل وإلغاء وزارة الثقافة والإعلام وإنشاء بدلا منها وزارة للثقافة والسياحة والآثار، وإنشاء وزارة للشباب والرياضة و إعطاء التمكين اللازم والاستقلالية للجامعات لكي تكون منارات للتنافس المقارن ليس محلياً بل دولياً، هذا إضافة إلى النظر كذلك في تحويل المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني إلى جامعة تطبيقية أو جامعة تكنولوجية، وكذلك إنشاء مجلس أعلى للتنمية الإدارية والبشرية وكذلك آخر للمسؤولية الاجتماعية، هذه بعض الأفكار والاقتراحات التي نتمنى دراستها في ضوء باب الأمل الذي فتحه ملك التغيير والأحلام وملك التفاؤل خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ورعاه، وفوق كل ذي علم عليم. وتفضلوا بقبول وافر التحية والتقدير...،،،
الدكتور/ ناصر بن إبراهيم آل تويم أستاذ الإدارة والتنمية الأخلاقية المساعد قسم الإدارة بكلية إدارة الأعمال رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للإدارة رئيس مجلس إدارة الجمعية التعاونية متعددة الأغراض نائب رئيس مجلس إدارة جمعية حماية المستهلك رئيس جائزة التميز الإداري
|
الكاتب:
سعادة الدكتور ناصر بن إبراهيم آل تويم
|
|
|
|
|